يا رَائِدَ البَرقِ

نادى بِدَعوَتِهِ جَهراً فَأَسمَعَها

في كُلِّ ناحِيةٍ مَن كانَ ذا صَمَمِ

فَكانَ أَوَّلُ مَن في الدِّين تابَعَهُ

خَدِيجَةٌ وَعَلِيٌّ ثابِتُ القَدَمِ

ثُمَّ اِستَجابَت رِجالٌ دُونَ أُسرَتِهِ

وَفي الأَباعِدِ ما يُغني عَنِ الرَّحِمِ

وَمَن أَرادَ بِهِ الرَّحمنُ مَكرُمَةً

هَداهُ لِلرُّشدِ في داجٍ مِنَ الظُّلَمِ

ثُمَّ اِستَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ مُعتَزِماً

يَدعُو إلى رَبِّهِ في كُلِّ مُلتَأَمِ

وَالنّاسُ مِنهُم رَشيدٌ يَستَجِيبُ لَهُ

طَوعاً وَمِنهُم غَوِيٌّ غَيرُ مُحتَشِمِ

حَتّى اِستَرابَت قُرَيشٌ وَاِستَبَدَّ بِها

جَهلٌ تَرَدَّت بِهِ في مارِجٍ ضَرِمِ

وَعَذَّبوا أَهلَ دِينِ اللَّهِ وَاِنتَهَكوا

مَحارِماً أَعقَبَتهُم لَهفَةَ النَّدَمِ

وَقامَ يَدعُو أَبو جَهلٍ عَشِيرَتَهُ

إِلى الضَّلالِ وَلَم يَجنَح إِلى سَلَمِ

يُبدِي خِدَاعاً ويُخفِي ما تَضَمَّنَهُ

ضَمِيرُهُ مِن غَراةِ الحِقد وَالسَّدَمِ

لا يَسلَمُ القَلبُ مِن غِلٍّ أَلَمَّ بِهِ

يَنقى الأَدِيمُ وَيَبقى مَوضِعُ الحَلَمِ

وَالحِقدُ كَالنّارِ إِن أَخفَيتَهُ ظَهَرَت

مِنهُ عَلائِمُ فَوقَ الوَجهِ كَالحُمَمِ

لا يُبصِرُ الحَقَّ مَن جَهلٌ أَحاطَ بِهِ

وَكَيفَ يُبصِرُ نُورَ الحَقِّ وَهوَ عَمِ

كُلُّ امرِئٍ وَاجِدٌ ما قَدَّمَت يَدُهُ

إِذا اِستَوى قائِماً مِن هُوَّةِ الأَدَمِ

وَالخَيرُ وَالشَّرُّ في الدُّنيا مُكافَأَةٌ

وَالنَّفسُ مَسؤولَةٌ عَن كُلِّ مُجتَرَمِ

فَلا يَنَم ظالِمٌ عَمّا جَنَت يَدُهُ

عَلى العِبادِ فَعَينُ اللَّهِ لَم تَنَمِ

وَلَم يَزَل أَهلُ دِين اللَّهِ في نَصَبٍ

مِمّا يُلاقُونَ مِن كَربٍ وَمِن زَأَمِ

حَتّى إِذا لَم يَعُد في الأَمر مَنزَعَةٌ

وَأَصبَحَ الشَّرُّ جَهراً غَيرَ مُنكَتِمِ

سارُوا إِلى الهِجرَةِ الأُولى وَما قَصَدوا

غَيرَ النَّجاشِيِّ مَلكاً صادِقَ الذِّمَمِ

فَأَصبَحُوا عِندَهُ في ظِلِّ مَملَكَةٍ

حَصِينَةٍ وذِمامٍ غَيرِ مُنجَذِمِ

مَن أَنكَرَ الضَّيمَ لَم يَأنَس بِصُحبَتِهِ

وَمَن أَحاطَت بِهِ الأَهوالُ لَم يُقِمِ

وَمُذ رَأى المُشرِكون الدّين قَد وضَحَت

سَماؤُهُ وَاِنجَلَت عَن صِمَّةِ الصِّمَمِ

تَأَلَّبُوا رَغبَةً في الشَّرِّ وَائتَمَرُوا

عَلى الصَّحيفَةِ مِن غَيظٍ وَمِن وَغَمِ

صَحِيفَةٌ وَسَمَت بِالغَدرِ أَوجُهَهُم

وَالغَدرُ يَعلَقُ بِالأَعراضِ كَالدَّسَمِ

فَكَشَّفَ اللَّهُ مِنها غُمَّةً نَزَلَت

بِالمُؤمِنينَ وَرَبِّي كاشِفُ الغُمَمِ

مَن أَضمَرَ السُّوءَ جازاهُ الإِلَهُ بِهِ

وَمَن رَعى البَغيَ لَم يَسلَم مِنَ النِقَمِ

كَفى الطُّفَيلَ بنَ عَمرٍو لُمعَةٌ ظَهَرَت

فِي سَوطِهِ فَأَنارَت سُدفَةَ القَتَمِ

هَدى بِها اللَّهُ دَوساً مِن ضَلالَتِها

فَتابَعَت أَمرَ داعِيها وَلَم تَهِمِ

وَفِي الإِراشِيِّ لِلأَقوامِ مُعتَبَرٌ

إِذ جاءَ مَكَّةَ فِي ذَودٍ مِنَ النّعَمِ

فَباعَها مِن أَبي جَهلٍ فَماطَلَهُ

بِحَقِّهِ وَتَمادى غَيرَ مُحتَشِمِ

فَجاءَ مُنتَصِراً يَشكُو ظُلامَتَهُ

إِلى النَّبِيِّ ونِعمَ العَونُ في الإِزَمِ

فَقامَ مُبتَدِراً يَسعى لِنُصرَتِهِ

وَنُصرَةُ الحَقِّ شَأنُ المَرءِ ذِي الهِمَمِ

فَدَقَّ بابَ أَبي جَهلٍ فَجاءَ لَهُ

طَوعاً يَجُرُّ عِنانَ الخائِفِ الزَّرِمِ

فَحِينَ لاقى رَسُولَ اللَّهِ لاحَ لَهُ

فَحلٌ يَحُدُّ إِلَيهِ النابَ مِن أَطَمِ

فَهالَهُ ما رَأى فَاِرتَدَّ مُنزَعِجاً

وَعادَ بِالنَّقدِ بَعدَ المَطلِ عَن رَغَمِ

أَتِلكَ أَم حِينَ نادى سَرحَةً فَأَتَت

إِلَيهِ مَنشُورَةَ الأَغصانِ كَالجُمَمِ

حَنَت عَلَيهِ حُنُوَّ الأُمِّ مِن شَفَقٍ

وَرَفرَفَت فَوقَ ذاكَ الحُسنِ مِن رَخَمِ

جاءَتهُ طَوعاً وَعادَت حينَ قالَ لَها

عُودِي وَلو خُلِّيت لِلشَّوقِ لَم تَرِمِ

وَحَبَّذا لَيلَةُ الإِسراءِ حِينَ سَرى

لَيلاً إِلى المَسجِدِ الأَقصى بِلا أَتَمِ

رَأَى بِهِ مِن كِرامِ الرُّسلِ طائِفَةً

فَأَمَّهُم ثُمَّ صَلَّى خاشِعاً بِهِمِ

بَل حَبَّذا نَهضَةُ المِعراجِ حينَ سَما

بِهِ إِلى مَشهَدٍ في العزِّ لَم يُرَمِ

سَما إِلى الفَلَك الأَعلى فَنالَ بِهِ

قَدراً يَجِلُّ عَن التَّشبيهِ في العِظَمِ

وَسارَ في سُبُحاتِ النُّورِ مُرتَقِياً

إِلى مَدارِجَ أَعيَت كُلَّ مُعتَزِمِ

وَفازَ بِالجَوهَرِ المَكنونِ مِن كَلِمٍ

لَيسَت إِذا قُرِنَت بِالوَصفِ كَالكَلِمِ

سِرٌّ تَحارُ بِهِ الأَلبابُ قاصِرَةً

وَنِعمَةٌ لَم تَكُن في الدَّهرِ كَالنِّعَمِ

هَيهاتَ يَبلُغُ فَهمٌ كُنهَ ما بَلَغَت

قُرباهُ مِنهُ وَقَد ناجاهُ مِن أَمَمِ

فَيا لَها وصلَةً نالَ الحَبيبُ بِها

ما لَم يَنَلهُ مِنَ التَّكريمِ ذُو نَسَمِ

فاقَت جَميعَ اللَّيالي فَهيَ زاهِرَةٌ

بِحُسنِها كَزُهُورِ النّارِ في العَلَمِ

هَذا وَقَد فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى

عِبادِهِ وَهَداهُم واضِحَ اللَّقَمِ

فَسارَعُوا نَحوَ دِينِ اللَّهِ وَاِنتَصَبُوا

إِلى العِبادَةِ لا يَألُونَ مِن سَأَمِ

وَلَم يَزَل سَيِّدُ الكَونَينِ مُنتَصِباً

لِدَعوَةِ الدِّين لَم يَفتر وَلَم يَجِمِ

يَستَقبِلُ النّاسَ في بَدوٍ وَفي حَضَرٍ

وَيَنشُرُ الدِّينَ في سَهلٍ وَفي عَلَمِ

حَتّى اِستَجابَت لَهُ الأَنصارُ وَاِعتَصَمُوا

بِحَبلِهِ عَن تَراضٍ خَيرَ مُعتَصمِ

فَاِستَكمَلَت بِهِمُ الدُنيا نَضارَتَها

وَأَصبَحَ الدينُ في جَمعٍ بِهِم تَمَمِ

قَومٌ أَقَرُّوا عِمادَ الحَقِّ وَاِصطَلَمُوا

بِيَأسِهِم كُلَّ جَبّارٍ وَمُصطَلِمِ

فَكَم بِهِم أَشرَقَت أَستارُ داجِيَةٍ

وَكَم بِهِم خَمَدَت أَنفاسُ مُختَصِمِ

فَحينَ وافى قُرَيشاً ذِكرُ بَيعَتِهِم

ثارُوا إِلى الشَّرِّ فِعلَ الجاهِلِ العَرِمِ

وَبادَهُوا أَهلَ دِينِ اللَهِ وَاِهتَضَمُوا

حُقُوقَهُم بِالتَّمادِي شَرَّ مُهتَضَمِ

فَكَم تَرى مِن أَسيرٍ لا حِراكَ بِهِ

وَشارِدٍ سارَ مِن فَجٍّ إِلى أَكَمِ

فَهاجَرَ الصَّحبُ إِذ قالَ الرَّسُولُ لَهُم

سيرُوا إِلى طَيبَةَ المَرعِيَّةِ الحُرَمِ

وَظَلَّ في مَكَّةَ المُختارُ مُنتَظِراً

إِذناً مِنَ اللَهِ في سَيرٍ وَمُعتَزَمِ

فَأَوجَسَت خيفَةً مِنهُ قُرَيشُ وَلَم

تَقبَل نَصيحاً وَلَم تَرجع إِلى فَهَمِ

فَاِستَجمَعَت عُصَباً في دارِ نَدوَتِها

تَبغي بِهِ الشَّرَّ مِن حِقدٍ وَمِن أَضَمِ

وَلَو دَرَت أَنَّها فِيما تُحاوِلُهُ

مَخذولَةٌ لَم تَسُم في مَرتَعٍ وَخِمِ

أَولى لَها ثُمَ أَولى أَن يَحيقَ بِها

ما أَضمَرَتهُ مِنَ البَأساءِ وَالشَّجَمِ

إِنّي لَأَعجَبُ مِن قَومٍ أُولي فِطَنٍ

باعُوا النُّهى بِالعَمى وَالسَّمعَ بِالصَّمَمِ

يَعصُونَ خالِقَهُم جَهلاً بِقُدرَتِهِ

وَيَعكُفُونَ عَلى الطاغُوتِ وَالصَّنَمِ

فَأَجمَعُوا أَمرَهُم أَن يَبغتُوهُ إِذا

جَنَّ الظَّلامُ وَخَفَّت وَطأَةُ القَدَمِ

وَأَقبَلُوا مَوهِناً في عُصبَةٍ غُدُرٍ

مِنَ القَبائِلِ باعُوا النَّفسَ بِالزَّعَمِ

فَجاءَ جِبريلُ لِلهادِي فَأَنبأَهُ

بِما أَسَرُّوهُ بَعدَ العَهدِ وَالقَسَمِ

فَمُذ رَآهُم قِياماً حَولَ مَأمَنِهِ

يَبغُونَ ساحَتَهُ بِالشَّرِّ وَالفَقَمِ

نادى عَلِيّاً فَأَوصاهُ وَقالَ لَهُ

لا تَخشَ وَالبَس رِدائي آمِناً وَنَمِ

وَمَرَّ بِالقَومِ يَتلُوُ وَهوَ مُنصَرِفٌ

يَس وَهيَ شِفاءُ النَّفسِ مِن وَصَمِ

فَلَم يَرَوهُ وَزاغَت عَنهُ أَعيُنُهُم

وَهَل تَرى الشَّمس جَهراً أَعيُنُ الحَنَمِ

وَجاءَهُ الوَحيُ إِيذاناً بِهِجرَتِهِ

فَيَمَّمَ الغارَ بِالصِّدِّيقِ في الغَسَمِ

فَما اِستَقَرَّ بِهِ حَتّى تَبَوَّأَهُ

مِنَ الحَمائِمِ زَوجٌ بارِعُ الرَّنَمِ

بَنى بِهِ عُشَّهُ وَاِحتَلَّهُ سَكناً

يَأوي إِلَيهِ غَداةَ الرّيحِ وَالرّهَمِ

إِلفانِ ما جَمَعَ المِقدارُ بَينَهُما

إِلّا لِسِرٍّ بِصَدرِ الغارِ مُكتَتَمِ

كِلاهُما دَيدَبانٌ فَوقَ مَربأَةٍ

يَرعَى المَسالِكَ مِن بُعدٍ وَلَم يَنَمِ

إِن حَنَّ هَذا غَراماً أَو دَعا طَرَباً

بِاسمِ الهَديلِ أَجابَت تِلكَ بِالنَّغَمِ

يَخالُها مَن يَراها وَهيَ جاثِمَةٌ

في وَكرِها كُرَةً مَلساءَ مِن أَدَمِ

إِن رَفرَفَت سَكَنَت ظِلّاً وَإِن هَبَطَت

رَوَت غَليلَ الصَّدى مِن حائِرٍ شَبِمِ

مَرقُومَةُ الجِيدِ مِن مِسكٍ وَغالِيَةٍ

مَخضُوبَةُ الساقِ وَالكَفَّينِ بِالعَنَمِ

كَأَنَّما شَرَعَت في قانِيءٍ سربٍ

مِن أَدمُعِي فَغَدَت مُحمَرَّةَ القَدَمِ

وَسَجفَ العَنكَبُوتُ الغارَ مُحتَفِياً

بِخَيمَةٍ حاكَها مِن أَبدَعِ الخِيَمِ

قَد شَدَّ أَطنابَها فَاِستَحكَمَت وَرَسَت

بِالأَرضِ لَكِنَّها قامَت بِلا دِعَمِ

كَأَنَّها سابِريٌّ حاكَهُ لَبِقٌ

بِأَرضِ سابُورَ في بحبُوحَةِ العَجَمِ

وَارَت فَمَ الغارِ عَن عَينٍ تُلِمُّ بِهِ

فَصارَ يَحكي خَفاءً وَجهَ مُلتَثِمِ

فَيا لَهُ مِن سِتارٍ دُونَهُ قَمَرٌ

يَجلُو البَصائِرَ مِن ظُلمٍ وَمِن ظُلَمِ

فَظَلَّ فيهِ رَسولُ اللَّهِ مُعتَكِفاً

كَالدُرِّ في البَحر أَو كَالشَمسِ في الغُسَمِ

حَتّى إِذا سَكَنَ الإِرجاف وَاِحتَرقَت

أَكبادُ قَومٍ بِنارِ اليَأسِ وَالوَغَمِ

أَوحى الرَّسولُ بِإِعدادِ الرَّحيلِ إِلى

مَن عِندَهُ السِّرُّ مِن خِلٍّ وَمِن حَشَمِ

وَسارَ بَعدَ ثَلاثٍ مِن مَباءَتِهِ

يَؤُمُّ طَيبَةَ مَأوى كُلِّ مُعتَصِمِ

فَحِينَ وَافى قُدَيداً حَلَّ مَوكِبُهُ

بِأُمِّ مَعبَدَ ذاتِ الشَّاءِ وَالغَنَمِ

فَلَم تَجِد لِقِراهُ غَيرَ ضائِنَةٍ

قَدِ اقشَعَرَّت مَراعِيها فَلَم تَسُمِ

فَما أَمَرَّ عَلَيها داعِياً يَدَهُ

حَتّى اِستَهَلَّت بِذِي شَخبينِ كَالدِّيَمِ

ثُمَّ اِستَقَلَّ وَأَبقى في الزَّمانِ لَها

ذِكراً يَسيرُ عَلَى الآفاق كَالنَّسَمِ

فَبَينَما هُوَ يَطوي البِيدَ أَدرَكَهُ

رَكضاً سُراقَةُ مِثلَ القَشعَمِ الضَّرِمِ

حَتّى إِذا ما دَنا ساخَ الجَوادُ بِهِ

في بُرقَةٍ فَهَوى لِلسَّاقِ وَالقَدَمِ

فَصاحَ مُبتَهِلاً يَرجُو الأَمانَ وَلَو

مَضى عَلى عَزمِهِ لانهارَ في رَجَمِ

السابق التالي