يا رَائِدَ البَرقِ

وَكَيفَ يَبلُغُ أَمراً دُونَهُ وَزَرٌ

مِنَ العِنايةِ لَم يَبلُغهُ ذُو نَسَمِ

فَكَفَّ عَنهُ رَسولُ اللَّهِ وَهوَ بِهِ

أَدرى وَكَم نِقَمٍ تفتَرُّ عَن نِعَمِ

وَلَم يَزَل سائِراً حَتّى أَنافَ عَلى

أَعلامِ طَيبَةَ ذاتِ المَنظَرِ العَمَمِ

أَعظِم بِمَقدَمِهِ فَخراً وَمَنقبَةً

لِمَعشَرِ الأَوسِ وَالأَحياءِ مِن جُشَمِ

فَخرٌ يَدُومُ لَهُم فَضلٌ بِذِكرَتِهِ

ما سارَت العِيسُ بِالزُّوّارِ لِلحَرَمِ

يَومٌ بِهِ أَرَّخَ الإِسلامُ غُرَّتَهُ

وَأَدرَكَ الدِّينُ فيهِ ذِروَةَ النُّجُمِ

ثُمَّ اِبتَنى سَيِّدُ الكَونَينِ مَسحِدَهُ

بُنيانَ عِزٍّ فَأَضحى قائِمَ الدّعَمِ

وَاِختَصَّ فيهِ بِلالاً بِالأَذانِ وَما

يُلفى نَظيرٌ لَهُ في نَبرَةِ النَّغَمِ

حَتّى إِذا تَمَّ أَمرُ اللَّهِ وَاِجتَمَعَت

لَهُ القبَائِلُ مِن بُعدٍ وَمِن زَمَمِ

قامَ النَّبِيُّ خَطيباً فيهِمُ فَأَرى

نَهجَ الهُدى وَنَهى عَن كُلِّ مُجتَرَمِ

وَعَمَّهم بِكِتابٍ حَضَّ فيهِ عَلى

مَحاسِنِ الفَضلِ وَالآدابِ وَالشِّيمِ

فَأَصبَحُوا في إِخاءٍ غَيرِ مُنصَدِعٍ

عَلى الزَّمانِ وَعِزٍّ غَيرِ مُنهَدِمِ

وَحِينَ آخى رَسُولُ اللَّهِ بَينَهُمُ

آخى عَلِيّاً وَنِعمَ العَونُ في القُحَمِ

هُوَ الَّذي هَزَمَ اللَّهُ الطُغاةَ بِهِ

في كُلِّ مُعتَرَكٍ بِالبِيضِ مُحتَدِمِ

فَاِستَحكَم الدِّينُ وَاِشتَدَّت دَعائِمُهُ

حَتّى غَدا واضِحَ العِرنينِ ذا شَمَمِ

وَأَصبَحَ الناسُ إِخواناً وَعَمَّهُمُ

فَضلٌ مِنَ اللَّهِ أَحياهُم مِنَ العَدَمِ

هَذا وَقَد فَرَضَ اللَّهُ الجِهادَ عَلى

رَسُولِهِ لِيَبُثَّ الدِّينَ في الأُمَمِ

فَكانَ أَوَّلُ غَزوٍ سارَ فيهِ إِلى

وَدّانَ ثُمَّ أَتى مِن غَيرِ مُصطَدَمِ

ثُمَّ اِستَمَرَّت سَرايا الدِّينِ سابِحَةً

بِالخَيلِ جامِحَةً تَستَنُّ بِاللُّجُمِ

سَرِيَّةٌ كانَ يَرعاها عُبَيدَةُ في

صَوبٍ وَحَمزَةُ في أُخرى إِلى التَّهَمِ

وَغَزوَةٌ سارَ فيها المُصطَفى قُدُماً

إِلى بُواطٍ بِجَمعٍ ساطِعِ القَتَمِ

وَمِثلَها يَمَّمَت ذاتَ العُشيرَةِ في

جَيشٍ لُهامٍ كَمَوجِ البَحرِ مُلتَطِمِ

وَسارَ سَعدٌ إِلى الخَرّارِ يَقدُمُهُ

سَعدٌ وَلَم يَلقَ في مَسراهُ مِن بَشَمِ

وَيَمَّمَت سَفَوان الخَيلُ سابِحَةً

بِكُلِّ مُعتَزِمٍ لِلقَرنِ مُلتَزِمِ

وَتابَعَ السَّيرَ عَبدُ اللَّهِ مُتَّجِهاً

تِلقاءَ نَخلَةَ مَصحُوباً بِكُلِّ كَمِي

وَحُوّلَت قِبلَةُ الإِسلامِ وَقتَئِذٍ

عَن وِجهَةِ القُدسِ نَحوَ البَيتِ ذي العِظَمِ

وَيَمَّمَ المُصطَفى بَدراً فَلاحَ لَهُ

بَدرٌ مِنَ النَّصرِ جَلَّى ظُلمَةَ الوَخَمِ

يَومٌ تَبَسَّمَ فيهِ الدِّينُ وَاِنهَمَلَت

عَلَى الضَّلالِ عُيونُ الشِّركِ بِالسَّجَمِ

أَبلَى عَلِيٌّ بِهِ خَيرَ البَلاءِ بِما

حَباهُ ذُو العَرشِ مِن بَأسٍ وَمِن هِمَمِ

وَجالَ حَمزَةُ بِالصَّمصامِ يَكسؤُهُم

كَسأً يُفَرِّقُ مِنهُم كُلَّ مُزدَحَمِ

وَغادَرَ الصَّحبُ وَالأَنصارُ جَمعَهُمُ

وَلَيسَ فيهِ كَمِيٌّ غَيرُ مَنهَزِمِ

تَقَسَّمَتهُم يَدُ الهَيجاءِ عادِلَةً

فَالهامُ لِلبِيض وَالأَبدانُ لِلرَّخَمِ

كَأَنَّما البِيضُ بِالأَيدي صَوالِجَةٌ

يَلعَبنَ في ساحَةِ الهَيجاءِ بِالقِمَمِ

لَم يَبقَ مِنهُم كَمِيٌّ غَيرُ مُنجَدِلٍ

عَلى الرّغامِ وَعُضوٌ غَيرُ مُنحَطِمِ

فَما مَضَت ساعَةٌ وَالحَربُ مُسعَرَةٌ

حَتّى غَدا جَمعُهُم نَهباً لِمُقتَسِمِ

قَد أَمطَرَتهُم سَماءُ الحَربِ صائِبَةً

بِالمَشرَفِيَّةِ وَالمُرّانِ كَالرُّجُمِ

فَأَينَ ما كانَ مِن زَهوٍ وَمِن صَلَفٍ

وَأَينَ ما كانَ مِن فَخرٍ وَمِن شَمَمِ

جاؤُا وِللشَّرِّ وَسمٌ في مَعاطِسِهِم

فَأُرغِمُوا وَالرَّدى في هَذِهِ السِّيَمِ

مَن عارَضَ الحَقَّ لَم تَسلَم مَقاتِلُهُ

وَمَن تَعَرَّضَ لِلأَخطارِ لَم يَنَمِ

فَما اِنقَضى يَومُ بَدرٍ بِالَّتي عَظُمَت

حَتّى مَضى غازِياً بِالخَيلِ في الشُّكُمِ

فَيَمَّمَ الكُدرَ بِالأَبطالِ مُنتَحِياً

بَني سُلَيمٍ فَوَلَّت عَنهُ بِالرَّغَمِ

وَسارَ في غَزوَةٍ تُدعى السَّويقَ بِما

أَلقاهُ أَعداؤُهُ مِن عُظمِ زادِهِمِ

ثُمَّ اِنتَحى بِوُجُوهِ الخَيل ذَا أَمرٍ

فَفَرَّ ساكِنُهُ رُعباً إِلى الرَّقَمِ

وَأَمَّ فرعاً فَلَم يَثقَف بِهِ أَحَداً

وَمَن يُقيمُ أَمامَ العارِضِ الهَزِمِ

وَلَفَّ بِالجَيشِ حَيَّي قَينُقاعَ بِما

جَنَوا فَتَعساً لَهُم مِن مَعشَرٍ قَزَمِ

وَسارَ زَيدٌ بِجَمعٍ نَحوَ قَردَةَ مِن

مِياهِ نَجدٍ فَلَم يَثقَف سِوى النَّعَمِ

ثُمَّ اِستَدارَت رَحا الهَيجاءِ في أُحُدٍ

بِكُلِّ مُفتَرِسٍ لِلقِرنِ مُلتَهِمِ

يَومٌ تَبَيَّنَ فيهِ الجِدُّ وَاِتَّضَحَت

جَلِيَّةُ الأَمرِ بَعدَ الجَهدِ وَالسَّأَمِ

قَد كانَ خُبراً وَتَمحيصاً وَمَغفِرَةً

لِلمُؤمِنينَ وَهَل بُرءٌ بِلا سَقَمِ

مَضى عَلِيٌّ بِهِ قُدماً فَزَلزَلَهُم

بِحَملَةٍ أَورَدَتهُم مَورِدَ الشَّجَمِ

وَأَظهَرَ الصَّحبُ وَالأَنصارُ بَأسَهم

وَالبَأسُ في الفِعلِ غَيرُ البَأسِ فِي الكَلِمِ

خاضُوا المَنايا فَنالُوا عِيشَةً رَغَداً

وَلَذَّةُ النَّفسِ لا تَأتِي بِلا أَلَمِ

مَن يَلزَمِ الصَّبرَ يَستَحسِن عَواقِبَهُ

وَالماءُ يَحسُنُ وَقعاً عِندَ كُلِّ ظَمِ

لَو لَم يَكُن فِي اِحتِمالِ الصَّبرِ مَنقَبةٌ

لَم يَظهَرِ الفَرقُ بَينَ اللُّؤمِ وَالكَرَمِ

فَكانَ يَوماً عَتِيدَ البَأسِ نالَ بِهِ

كِلا الفَريقَينِ جَهداً وَارِيَ الحَدَمِ

أَودى بِهِ حَمزَةُ الصِّندِيدُ فِي نَفَرٍ

نالوا الشَّهادَةَ تَحتَ العارِضِ الرَّزِمِ

أَحسِن بِها مَيتَةً أَحيَوا بِها شَرَفاً

وَالمَوتُ في الحَربِ فَخرُ السّادَةِ القُدُمِ

لا عارَ بِالقَومِ مِن مَوتٍ وَمِن سَلَبٍ

وَهَل رَأَيتَ حُساماً غَيرَ مُنثَلِمِ

فَكانَ يَوم جَزاءٍ بَعدَ مُختَبَرٍ

لِمَن وَفا وَجَفا بِالعِزِّ وَالرَّغَمِ

قامَ النَّبِيُّ بِهِ في مَأزِقٍ حَرِج

تَرعى المَناصِلُ فيهِ مَنبِتَ الجُمَمِ

فَلَم يَزَل صابِراً في الحَربِ يَفثَؤُها

بِالبِيضِ حَتّى اِكتَسَت ثَوباً مِنَ العَنَمِ

وَرَدَّ عَينَ اِبنِ نُعمان قَتادَةَ إِذ

سالَت فَعادَت كَما كانَت بِلا لَتمِ

وَقَد أَتى بَعدَ ذا يَومُ الرَّجِيعِ بِما

فِيهِ مِنَ الغَدرِ بَعدَ العَهدِ وَالقَسَمِ

وَثارَ نَقعُ المَنايا في مَعُونَةَ مِن

بَني سُلَيمٍ بِأَهلِ الفَضلِ وَالحِكَمِ

ثُمَّ اِشرَأَبَّت لِخَفرِ العَهدِ مِن سَفَهٍ

بَنُو النَّضيرِ فَأَجلاهُم عَنِ الأُطُمِ

وَسارَ مُنتَحِياً ذاتَ الرِّقاعِ فَلَم

تَلقَ الكَتائِبُ فيها كَيدَ مُصطَدَمِ

وَحَلَّ مِن بَعدِها بَدراً لِوَعدِ أَبِي

سُفيانَ لَكِنَّهُ وَلّى وَلَم يَحُمِ

وَأَمَّ دَومَةَ في جَمعٍ وَعادَ إِلى

مَكانِهِ وَسَماءُ النَّقعِ لَم تَغِمِ

ثُمَّ اِستَثارَت قُرَيشٌ وَهيَ ظالِمَةٌ

أَحلافَها وَأَتَت في جَحفَلٍ لَهِمِ

تَستَمرِئُ البَغيَ مِن جَهلٍ وَما عَلِمَت

أَنَّ الجَهالَة مَدعاةٌ إِلى الثَّلَمِ

وَقامَ فيهم أَبُو سُفيانَ مِن حَنَقٍ

يَدعُو إِلى الشَّرِّ مثلَ الفَحلِ ذِي القَطَمِ

فَخَندَقَ المُؤمِنُونَ الدّارَ وَاِنتَصَبُوا

لِحَربِهِم كَضَواري الأُسدِ في الأَجَمِ

فَما اِستَطاعَت قُرَيشٌ نَيلَ ما طَلَبَت

وَهَل تَنالُ الثُّرَيّا كَفُّ مُستَلِمِ

رامَت بِجَهلَتِها أَمراً وَلَو عَلِمَت

ماذَا أُعِدَّ لَها في الغَيبِ لَم تَرُمِ

فَخَيَّبَ اللَّهُ مَسعاها وَغادَرَها

نَهبَ الرَّدى وَالصَّدى وَالرِّيحِ وَالطَّسَمِ

فَقوَّضَت عُمُدَ التَّرحالِ وَاِنصَرَفَت

لَيلاً إِلى حَيثُ لَم تَسرَح وَلَم تَسُمِ

وَكَيفَ تَحمَدُ عُقبى ماجَنَت يَدُها

بَغياً وَقَد سَرَحَت في مَرتَعٍ وَخِمِ

قَد أَقبَلَت وَهيَ في فَخرٍ وَفي جَذَلٍ

وَأَدبَرَت وَهيَ في خِزيٍ وَفي سَدَمِ

مَن يَركَبِ الغَيَّ لا يَحمَد عَواقِبَهُ

وَمَن يُطِع قَلبُهُ أَمرَ الهَوى يَهِمِ

ثُمَّ اِنتَحى بِوُجُوهِ الخَيلِ ساهِمَةً

بَني قُرَيظَةَ في رَجراجَةٍ حُطَمِ

خانُوا الرَّسُولَ فَجازاهُم بِما كَسَبُوا

وَفِي الخِيانَةِ مَدعاةٌ إِلى النِّقَمِ

وَسارَ يَنحُو بَني لِحيانَ فَاِعتَصَمُوا

خَوفَ الرَّدى بِالعَوالي كُلَّ مُعتَصَمِ

وَأَمَّ ذا قَرَدٍ في جَحفَلٍ لَجِبٍ

يَستَنُّ في لاحِبٍ بادٍ وَفي نَسَمِ

وَزارَ بِالجَيشِ غَزواً أَرضَ مُصطَلِقٍ

فَما اتَّقُوهُ بِغَيرِ البِيضِ في الخَدَمِ

وَفي الحُدَيبِيَةِ الصُّلحُ اِستَتَبَّ إِلى

عَشرٍ وَلَم يَجرِ فيها مِن دَمٍ هَدَمِ

وَجاءَ خَيبَرَ في جَأواءَ كَالِحَةٍ

بِالخَيلِ كَالسَّيلِ وَالأَسيافِ كَالضَّرَمِ

حَتّى إِذا اِمتَنَعَت شُمُّ الحُصونِ عَلى

مَن رامَها بَعدَ إِيغالٍ وَمُقتَحَمِ

قالَ النَّبِيُّ سَأُعطِي رايَتِي رَجُلاً

يُحِبُّنِي وَيُحِبُّ اللَّهَ ذا الكَرَمِ

ذا مرَّةٍ يَفتَحُ اللَّهُ الحُصونَ عَلَى

يَدَيهِ لَيسَ بِفَرّارٍ وَلا بَرِمِ

فَما بَدا الفَجرُ إِلّا وَالزَّعيمُ عَلى

جَيشِ القِتالِ عَلِيٌّ رافِعُ العَلَمِ

وَكانَ ذا رَمَدٍ فَاِرتَدَّ ذا بَصَرٍ

بِنَفثَةٍ أَبرَأَت عَينَيهِ مِن وَرَمِ

فَسارَ مُعتَزِماً حَتّى أَنافَ عَلى

حُصُونِ خَيبَرَ بِالمَسلُولَةِ الخُذُمِ

يَمضِي بِمُنصُلِهِ قُدماً فَيَلحَمُهُ

مَجرى الوَريدِ مِنَ الأَعناقِ وَاللِّمَمِ

حَتّى إِذا طاحَ مِنهُ التُّرسُ تاحَ لَهُ

بابٌ فَكانَ لَهُ تُرساً إِلى العَتَمِ

بابٌ أَبَت قَلبَهُ جَهداً ثَمانِيَةٌ

مِنَ الصَّحابَةِ أَهلِ الجِدِّ وَالعَزَمِ

فَلَم يَزَل صائِلاً في الحَربِ مُقتَحِماً

غَيابَةَ النَّقعِ مِثلَ الحَيدَرِ القَرِمِ

حَتّى تَبَلَّجَ فَجرُ النَّصرِ وَاِنتَشَرَت

بِهِ البَشائِرُ بَينَ السَّهلِ وَالعَلَمِ

أَبشِر بِهِ يَومَ فَتحٍ قَد أَضاءَ بِهِ

وَجهُ الزَّمانِ فَأَبدى بِشرَ مُبتَسِمِ

أَتى بِهِ جَعفَرُ الطَّيّارُ فَاِبتَهَجَت

بِعَودِهِ أَنفُسُ الأَصحابِ وَالعُزَمِ

فَكانَ يَوماً حَوى عِيدَينِ في نَسَقٍ

فَتحاً وَعَود كَرِيمٍ طاهِرِ الشِّيَمِ

السابق التالي