يا رَائِدَ البَرقِ

وَعادَ بِالنَّصرِ مَولى الدِّينِ مُنصَرِفاً

يَؤُمُّ طَيبَةَ فِي عِزٍّ وَفِي نِعَمِ

ثُمَّ اِستَقامَ لِبَيتِ اللَّهِ مُعتَمِراً

لِنَيلِ ما فاتَهُ بِالهَديِ لِلحَرَمِ

وَسارَ زَيدٌ أَميراً نَحوَ مُؤتَةَ في

بَعثٍ فَلاقى بِها الأَعداءَ مِن كَثَمِ

فَعَبَّأَ المُسلِمُونَ الجُندَ وَاِقتَتَلُوا

قِتالَ مُنتَصِرٍ لِلحَقِّ مُنتَقِمِ

فَطاحَ زَيدٌ وَأَودى جَعفَرٌ وَقَضى

تَحتَ العَجاجَةِ عَبدُ اللَّهِ في قُدُمِ

لا عارَ بِالمَوتِ فَالشَّهمُ الجَرِيءُ يَرى

أَنَّ الرَّدى في المَعالي خَيرُ مُغتَنَمِ

وَحِينَ خاسَت قُرَيشٌ بِالعُهُودِ وَلَم

تُنصِف وَسارَت مِن الأَهواءِ في نَقَمِ

وَظاهَرَت مِن بَني بَكرٍ حَليفَتَها

عَلى خُزاعَةَ أَهلِ الصِّدقِ فِي الذِّمَمِ

قامَ النَّبِيُّ لِنَصرِ الحَقِّ مُعتَزِماً

بِجَحفَلٍ لِجُمُوعِ الشِّركِ مُختَرِمِ

تَبدُو بِهِ البِيضُ وَالقَسطالُ مُنتَشِرٌ

كَالشُّهبِ في اللَّيلِ أَو كَالنّارِ فِي الفَحَمِ

لَمعُ السُّيُوفِ وَتَصهالُ الخُيولِ بِهِ

كَالبَرقِ وَالرَّعدِ في مُغدَودِقٍ هَزِمِ

عَرمرَمٌ يَنسِفُ الأَرضَ الفَضاءَ إِذا

سَرى بِها وَيَدُكُّ الهَضبَ مِن خِيَمِ

فِيهِ الكُماةُ الَّتي ذَلَّت لِعِزَّتِها

مَعاطِسٌ لَم تُذَلَّل قَبلُ بِالخُطُمِ

مِن كُلِّ مُعتَزِمٍ بِالصَّبرِ مُحتَزِمٍ

لِلقِرنِ مُلتَزِمٍ في البَأسِ مُهتَزِمِ

طالَت بِهِم هِمَمٌ نالُوا السِّماكَ بِها

عَن قُدرَةٍ وَعُلُوُّ النَّفسِ بِالهِمَمِ

بِيضٌ أَساوِرَةٌ غُلبٌ قَساوِرَةٌ

شُكسٌ لَدى الحَربِ مِطعامونَ في الأُزُمِ

طابَت نُفُوسُهُمُ بِالمَوتِ إِذ عَلِمُوا

أَنَّ الحَياةَ الَّتي يَبغُونَ في العَدَمِ

ساسُوا الجِيادَ فَظَلَّت في أَعِنَّتِها

طَوعَ البَنانَةِ في كَرٍّ وَمُقتَحَمِ

تَكادُ تَفقَهُ لَحنَ القَولِ مِن أَدَبٍ

وَتَسبِقُ الوَحيَ وَالإِيماءَ مِن فَهَمِ

كَأَنَّ أَذنابَها في الكَرِّ أَلوِيَةٌ

عَلَى سَفِينٍ لِأَمرِ الرِّيحِ مُرتَسِمِ

مِن كُلِّ مُنجَرِدٍ يَهوي بِصاحِبِهِ

بَينَ العَجاجِ هوِيَّ الأَجدَلِ اللَّحِمِ

وَالبِيضُ تَرجُفُ في الأَغمادِ مِن ظَمَأٍ

وَالسُّمرُ تَرعدُ في الأَيمانِ مِن قَرَمِ

مِن كُلِّ مُطَّرِدٍ لَولا عَلائِقُهُ

لَسابَقَ المَوتَ نَحوَ القِرنِ مِن ضَرَمِ

كَأَنَّهُ أَرقَمٌ في رَأسِهِ حُمَةٌ

يَستَلُّ كَيدَ الأَعادي بِابنَةِ الرَّقَمِ

فَلَم يَزَل سائِراً حَتّى أَنافَ عَلى

أَرباضِ مَكّةَ بِالفُرسانِ وَالبُهَمِ

وَلَفَّهم بِخَمِيسٍ لَو يَشُدُّ عَلى

أَركانِ رَضوى لَأَضحى مائِلَ الدِّعَمِ

فَأَقبَلوا يَسأَلُونَ الصَّفحَ حِينَ رَأَوا

أَنَّ اللَّجاجَةَ مَدعاةٌ إِلى النَّدَمِ

رِيعُوا فَذَلُّوا وَلَو طاشُوا لَوَقَّرَهُم

ضَربٌ يُفَرِّقُ مِنهُم مَجمَعَ اللِّمَمِ

ذاقُوا الرَّدى جُرَعاً فَاِستَسلَمُوا جَزَعاً

لِلصُّلحِ وَالحَربُ مَرقاةٌ إِلى السَّلَمِ

وَأَقبَلَ النَّصرُ يَتلُو وَهوَ مُبتَسِمٌ

المَجدُ لِلسَّيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ

يا حائِرَ اللُّبِّ هَذا الحَقُّ فَامضِ لَهُ

تَسلَم وَهَذا سَبِيلُ الرُّشدِ فَاِستَقِمِ

لا يَصرَعَنَّكَ وَهمٌ بِتَّ تَرقُبُهُ

إِنَّ التَّوَهُّمَ حَتفُ العاجِزِ الوَخِمِ

هَذا النَّبيُّ وَذاكَ الجَيشُ مُنتَشِرٌ

مِلءَ الفَضا فَاِستَبق لِلخَيرِ تَغتَنِمِ

فَالزَم حِماهُ تَجِد ما شِئتَ مِن أَرَبٍ

وَشِم نَداهُ إِذا ما البَرقُ لَم يُشَمِ

وَاحلُل رِحالَكَ وَانزِل نَحوَ سُدَّتِهِ

فَإِنَّها عصمَةٌ مِن أَوثَقِ العِصمِ

أَحيا بِهِ اللَّهُ أَمواتَ القُلوبِ كَما

أَحيا النَّباتَ بِفَيضِ الوابِلِ الرَّذِمِ

حَتّى إِذا تَمَّ أَمرُ الصُلحِ وَاِنتَظَمَت

بِهِ عُقودُ الأَماني أَيَّ مُنتَظَمِ

قامَ النَّبِيُّ بِشُكرِ اللَّهِ مُنتَصِباً

وَالشُّكرُ فِي كُلِّ حالٍ كافِلُ النِّعَمِ

وَطافَ بِالبَيتِ سبعاً فَوقَ راحِلَةٍ

قَوداءَ ناجِيَةٍ أَمضى مِنَ النَّسَمِ

فَما أَشارَ إِلى بُدٍّ بِمِحجَنِهِ

إِلّا هوَى لِيَدٍ مَغلُولَةٍ وَفَمِ

وَفِي حُنَينٍ إِذ اِرتَدَّت هَوازِنُ عَن

قَصدِ السَّبيلِ وَلَم تَرجِع إِلى الحَكَمِ

سَرى إِلَيها بِبَحرٍ مِن مُلَملَمَةٍ

طامي السّراة بِمَوجِ البِيضِ مُلتَطِمِ

حَتّى اِستَذَلَّت وَعادَت بَعدَ نَخوَتِها

تُلقي إِلى كُلِّ مَن تَلقاهُ بِالسَّلَمِ

وَيَمَّمَ الطّائِفَ الغَنّاءَ ثُمَّ مَضى

عَنها إلى أَجَلٍ في الغَيبِ مُكتَتَمِ

وَحِينَ أَوفى عَلى وادِي تَبُوكَ سَعى

إِلَيهِ ساكِنُها طَوعاً بِلا رَغَمِ

فَصالَحُوهُ وَأَدَّوا جِزيَةً وَرَضُوا

بِحُكمِهِ وَتَبيعُ الرُشد لَم يَهِمِ

أَلفى بِها عَينَ ماءٍ لا تَبِضُّ فَمُذ

دَعا لَها اِنفَجَرَت عَن سائِغٍ سَنِمِ

وَراوَدَ الغَيثَ فَاِنهَلَّت بَوادِرُهُ

بَعدَ الجُمودِ بِمُنهَلٍّ وَمُنسَجِمِ

وَأَمَّ طَيبَةَ مَسروراً بِعَودَتِهِ

يَطوي المَنازِلَ بِالوَخّادَةِ الرُّسُمِ

ثُمَّ اِستَهَلَّت وُفُودُ الناسِ قاطِبَةً

إِلى حِماهُ فَلاقَت وافِرَ الكَرَمِ

فَكانَ عامَ وُفودٍ كُلَّما اِنصَرَفَت

عِصابَةٌ أَقبَلَت أُخرى عَلى قَدَمِ

وَأَرسَلَ الرُّسلَ تَترى لِلمُلوكِ بِما

فِيهِ بَلاغٌ لِأَهلِ الذِّكرِ وَالفَهَمِ

وَأَمَّ غالِبُ أَكنافَ الكَديدِ إِلى

بَني المُلَوَّحِ فَاِستَولى عَلى النَّعَمِ

وَحِينَ خانَت جُذامٌ فَلَّ شَوكَتَها

زَيدٌ بِجَمعٍ لِرَهطِ الشِّركِ مُقتَثِمِ

وَسارَ مُنتَحِياً وادي القُرى فَمَحا

بَني فَزارَةَ أَصلَ اللُّؤمِ وَالقَزَمِ

وَأَمَّ خَيبَرَ عَبدُ اللَّهِ في نَفَرٍ

إِلى اليَسِير فَأَرداهُ بِلا أَتَمِ

وَيَمَّمَ اِبنُ أُنَيسٍ عُرضَ نَخلَةَ إِذ

طَغا اِبنُ ثَورٍ فَاصماهُ وَلَم يَخِمِ

ثُمَّ اِستَقَلَّ اِبنُ حِصنٍ فَاِحتَوَت يَدُهُ

عَلى بَني العَنبَرِ الطُّرّارِ وَالشُّجُمِ

وَسارَ عَمرو إِلى ذاتِ السَّلاسِلِ في

جَمعٍ لُهامٍ لِجَيشِ الشِّركِ مُصطَلِمِ

وَغَزوَتانِ لِعَبدِ اللَّهِ واجِدَةٌ

إِلى رِفاعَةَ وَالأُخرى إِلى إِضَمِ

وَسارَ جَمعُ اِبنِ عَوفٍ نَحوَ دَومَةَ كَي

يَفُلَّ سَورَةَ أَهلِ الزُّورِ وَالتُّهَمِ

وَأَمَّ بِالخَيلِ سيفَ البَحرِ مُعتَزِماً

أَبُو عُبَيدَةَ في صُيّابَةٍ حُشُمِ

وَسارَ عَمرو إِلى أُمِّ القُرى لِأَبي

سُفيانَ لَكِن عَدَتهُ مُهلَةُ القِسَمِ

وَأَمَّ مَديَنَ زَيدٌ فَاِستَوَت يَدُهُ

عَلى العَدُوِّ وَساقَ السَّبيَ كَالغَنَمِ

وَقامَ سالِمُ بِالعَضبِ الجُرازِ إِلى

أَبي عُفَيكٍ فَأَرداهُ وَلَم يَجِمِ

وَاِنقَضَّ لَيلاً عُمَيرٌ بِالحُسامِ عَلى

عَصماءَ حَتّى سَقاها عَلقَمَ العَدَمِ

وَسارَ بَعثٌ فَلَم يُخطِئ ثُمامَةَ إِذ

رَآهُ فَاحتازَهُ غُنماً وَلَم يُلَمِ

ذاكَ الهُمامُ الَّذي لَبّى بِمَكَّة إِذ

أَتى بِها مُعلِناً في الأَشهُرِ الحُرُمِ

وَبَعثُ عَلقَمَةَ اِستَقرى العَدُوَّ ضُحىً

فَلَم يَجِد في خِلالِ الحَيِّ مِن أَرمِ

وَرَدَّ كُرزٌ إِلى العَذراءِ مَن غَدَرُوا

يَسارَ حَتّى لَقَوا بَرحاً مِنَ الشَّجَمِ

وَسارَ بَعثُ اِبنِ زَيدٍ لِلشَّآمِ فَلَم

يَلبَث أَنِ انقَضَّ كَالبازي عَلى اليَمَمِ

فَهَذِهِ الغَزَواتُ الغُرُّ شامِلَةً

جَمعَ البُعُوثِ كَدُرٍّ لاحَ في نُظُمِ

نَظَمتُها راجِياً نَيلَ الشَّفاعَةِ مِن

خَيرِ البَرايا وَمَولى العُربِ وَالعَجَمِ

هُوَ النَّبِيُّ الَّذي لَولاهُ ما قُبِلَت

رَجاةُ آدمَ لَمّا زَلَّ في القِدَمِ

حَسبِي بِطَلعَتِهِ الغَرّاءِ مَفخَرَةً

لَمّا اِلتَقَيتُ بِهِ في عالَمِ الحُلُمِ

وَقَد حَباني عَصاهُ فَاِعتَصَمتُ بِها

في كُلِّ هَولٍ فَلم أَفزَع وَلَم أَهِمِ

فَهيَ الَّتي كانَ يَحبُو مِثلَها كَرَماً

لِمَن يَوَدُّ وَحَسبِي نسبَةً بِهِمِ

لَم أَخشَ مِن بَعدِها ما كُنتُ أَحذَرُهُ

وَكَيفَ وَهيَ الَّتي تُنجي مِنَ الغُمَمِ

كَفى بِها نِعمَةً تَعلُو بِقيمَتِها

نَفسِي وَإِن كُنتُ مَسلوباً مِنَ القِيَمِ

وَما أُبَرِّئُ نَفسي وَهيَ آمِرَةٌ

بِالسُوءِ ما لَم تَعُقها خيفَةُ النَّدَمِ

فَيا نَدامَةَ نَفسي في المَعادِ إِذا

تَعَوَّذَ المَرءُ خَوفَ النُطقِ بِالبَكمِ

لَكِنَّني وَاثِقٌ بِالعَفو مِن مَلِكٍ

يَعفُو بِرَحمَتِهِ عَن كُلِّ مُجتَرِمِ

وَسَوفَ أَبلُغُ آمالي وَإِن عَظُمَت

جَرائِمي يَومَ أَلقى صاحِبَ العَلَمِ

هُوَ الَّذي يَنعَشُ المَكرُوبَ إِذ عَلِقَت

بِهِ الرَّزايا وَيُغني كُلَّ ذي عَدَمِ

هَيهاتَ يَخذُلُ مَولاهُ وَشاعِرَهُ

في الحَشرِ وَهوَ كَريمُ النَّفسِ وَالشِّيَمِ

فَمَدحُهُ رَأسُ مالي يَومَ مُفتَقَرِي

وَحُبُّهُ عِزُّ نَفسي عِندَ مُهتَضَمِي

وَهَبتُ نَفسِي لَهُ حُبّا وَتَكرِمَة

فَهَل تَراني بَلَغتُ السُّؤلَ مِن سَلَمي

إِنِّي وَإِن مالَ بي دَهري وَبَرَّحَ بي

ضَيمٌ أَشاطَ عَلى جَمرِ النَّوى أَدَمي

لثابِتُ العَهدِ لَم يَحلُل قُوى أَمَلِي

يَأسٌ وَلَم تَخطُ بِي في سَلوَةٍ قَدَمي

لَم يَترُكِ الدَّهرُ لي ما أَستَعِينُ بِهِ

عَلى التَّجَمُّلِ إِلّا ساعِدي وَفَمِي

هَذا يُحَبِّرُ مَدحي في الرَّسولِ وَذا

يَتلُو عَلى الناسِ ما أُوحيهِ مِن كَلِمِي

يا سَيِّدَ الكَونِ عَفواً إِن أَثِمتُ فَلي

بِحُبِّكُم صِلَةٌ تُغنِي عَنِ الرَّحِمِ

كَفى بِسَلمانَ لِي فَخراً إِذا انتَسَبَت

نَفسي لَكُم مِثلَهُ في زُمرَةِ الحَشَمِ

وَحسنُ ظَنِّي بِكُم إِن مُتُّ يَكلَؤُني

مِن هَولِ ما أَتَّقي فِي ظُلمَةِ الرَّجَمِ

تَاللَّهِ ما عاقَني عَن حَيِّكُم شَجَنٌ

لَكِنَّنِي مُوثَقٌ في رِبقَةِ السَّلَمِ

فَهَل إِلى زَورَةٍ يَحيا الفُؤادُ بِها

ذَرِيعَةٌ أَبتَغيها قَبلَ مُختَرَمِي

شَكَوتُ بَثِّي إِلى رَبِّي لِيُنصِفَني

مِن كُلِّ باغٍ عَتِيدِ الجَورِ أَوهكمِ

وَكَيفَ أَرهَبُ حَيفا وَهوَ مُنتَقِمٌ

يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ وَمُنتَقِمِ

لا غَروَ إِن نِلتُ ما أَمَّلتُ مِنهُ فَقَد

أَنزَلتُ مُعظَمَ آمالي بِذي كَرَمِ

يا مالِكَ المُلكِ هَب لِي مِنكَ مَغفِرَةً

تَمحُو ذُنُوبي غَداةَ الخَوفِ وَالنَّدَمِ

السابق التالي