يا رَائِدَ البَرقِ

وَاِمنُن عَلَيَّ بِلُطفٍ مِنكَ يَعصِمُني

زَيغَ النُّهى يَومَ أَخذِ المَوتِ بِالكَظَمِ

لَم أَدعُ غَيرَكَ فِيما نابَني فَقِني

شَرَّ العَواقِبِ وَاِحفَظنِي مِنَ التُّهَمِ

حاشا لِراجيكَ أَن يَخشى العِثارَ وَما

بَعدَ الرَّجاءِ سِوى التَّوفيقِ لِلسَّلَمِ

وَكَيفَ أَخشى ضَلالاً بَعدَما سَلَكَت

نَفسِي بِنُورِ الهُدى في مَسلَكٍ قِيَمِ

وَلِي بِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ مَنزِلَةٌ

أَرجُو بِها الصَّفحَ يَومَ الدِّينِ عَن جُرُمِي

لا أَدَّعي عِصمَةً لَكِن يَدِي عَلِقَت

بِسَيِّدٍ مَن يَرِد مَرعاتَهُ يَسُمِ

خَدَمتُهُ بِمَديحي فَاِعتَلَوتُ عَلى

هامِ السِّماكِ وَصارَ السَّعدُ مِن خَدَمِي

وَكَيفَ أَرهَبُ ضَيماً بَعدَ خِدمَتِهِ

وَخادِمُ السَّادَةِ الأَجوادِ لَم يُضَمِ

أَم كَيفَ يَخذُلُنِي مِن بَعدِ تَسمِيَتِي

بِاسمٍ لَهُ في سَماءِ العَرشِ مُحتَرَمِ

أَبكانِيَ الدَّهرُ حَتّى إِذ لَجِئتُ بِهِ

حَنا عَلَيَّ وَأَبدى ثَغرَ مُبتَسِمِ

فَهوَ الَّذي يَمنَحُ العافِينَ ما سَأَلُوا

فَضلاً وَيَشفَعُ يَومَ الدِّينِ في الأُمَمِ

نُورٌ لِمُقتَبِسٍ ذُخرٌ لِمُلتَمِسٍ

حِرزٌ لِمُبتَئِسٍ كَهفٌ لِمُعتَصِمِ

بَثَّ الرَّدى وَالنَّدى شَطرَينِ فَاِنبَعَثا

فِيمَن غَوى وَهَدى بِالبُؤسِ وَالنِّعَمِ

فَالكُفرُ مِن بَأسِهِ المَشهورِ في حَرَبٍ

وَالدِّينُ مِن عَدلِهِ المَأثُورِ في حَرَمِ

هَذا ثَنائِي وَإِن قَصَّرتُ فيهِ فَلي

عُذرٌ وَأَينَ السُّها مِن كَفِّ مُستَلِمِ

هَيهاتَ أَبلُغُ بِالأَشعارِ مدَحتَهُ

وَإِن سَلَكتُ سَبيلَ القالَةِ القُدُمِ

ماذا عَسى أَن يَقُولَ المادِحُونَ وَقَد

أَثنى عَلَيهِ بِفَضلٍ مُنزلُ الكَلِمِ

فَهاكَها يا رَسُولَ اللَّهِ زاهِرَةً

تُهدِي إِلى النَّفسِ رَيّا الآسِ وَالبَرَمِ

وَسمتُها بِاسمِكَ العَالي فَأَلبَسنَها

ثَوباً مِنَ الفَخرِ لا يَبلى عَلى القِدَمِ

غَرِيبَةٌ في إِسارِ البَينِ لَو أَنِسَت

بِنَظرَةٍ مِنكَ لاستغنَت عَنِ النَّسَمِ

لَم أَلتَزِم نَظمَ حَبّاتِ البَديعِ بِها

إِذ كانَ صَوغُ المَعانِي الغُرِّ مُلتَزمِي

وَإِنَّما هِيَ أَبياتٌ رَجَوتُ بِها

نَيلَ المُنى يَومَ تَحيا بَذَّةُ الرِّمَمِ

نَثَرتُ فِيها فَرِيدَ المَدحِ فَاِنتَظَمَت

أَحسِن بِمُنتَثِرٍ مِنها وَمُنتَظِمِ

صَدَّرتُها بِنَسِيبٍ شَفَّ باطِنُهُ

عَن عِفَّةٍ لَم يَشِنها قَولُ مُتَّهِمِ

لَم أَتَّخِذهُ جُزافاً بَل سَلَكتُ بِهِ

فِي القَولِ مَسلَكَ أَقوامٍ ذَوي قَدَمِ

تابَعتُ كَعباً وَحَسّاناً وَلِي بِهِما

في القَولِ أُسوَةُ بَرٍّ غَيرِ مُتَّهَمِ

وَالشِّعرُ مَعرَضُ أَلبابٍ يُروجُ بِهِ

ما نَمَّقَتهُ يَدُ الآدابِ وَالحِكَمِ

فَلا يَلُمنِي عَلى التَّشبِيبِ ذُو عَنَتٍ

فَبُلبُلُ الرَّوضِ مَطبُوعٌ عَلَى النَّغَمِ

وَلَيسَ لِي رَوضَةٌ أَلهُو بِزَهرَتِها

في مَعرَضِ القَولِ إِلّا رَوضَةُ الحَرَمِ

فَهيَ الَّتِي تَيَّمَت قَلبي وَهِمتُ بِها

وَجداً وَإِن كُنتُ عَفَّ النَّفسِ لَم أَهِمِ

مَعاهِدٌ نَقَشَت في وَجنَتيَّ لَها

أَيدِي الهَوى أَسطُراً مِن عَبرَتِي بِدَمِ

يا حادِيَ العِيسِ إِن بَلَّغتَني أَمَلي

مِن قَصدِهِ فَاِقتَرِح ما شِئتَ وَاِحتَكِمِ

سِر بِالمَطايا وَلا تَرفَق فَلَيسَ فَتىً

أَولى بِهَذا السُّرى مِن سائِقٍ حُطَمِ

وَلا تَخَف ضَلَّةً وَاِنظُر فَسَوفَ تَرى

نُوراً يُريكَ مَدَبَّ الذَّرِ فِي الأَكَمِ

وَكَيفَ يَخشى ضَلالاً مَن يَؤُمُّ حِمى

مُحَمَّدٍ وَهوَ مِشكاةٌ عَلَى عَلَمِ

هَذِي مُنايَ وَحَسبي أَن أَفوزَ بِها

بِنِعمَةِ اللَّهِ قَبلَ الشَّيبِ وَالهَرَمِ

وَمَن يَكُن راجِياً مَولاهُ نالَ بِهِ

ما لَم يَنَلهُ بِفَضلِ الجِدِّ وَالهِمَمِ

فاسجُد لَهُ وَاِقترِب تَبلُغ بِطاعَتِهِ

ما شِئتَ في الدَّهرِ مِن جاهٍ وَمِن عِظَمِ

هَوَ المَليكُ الَّذي ذَلَّت لِعِزَّتِهِ

أَهلُ المَصانِعِ مِن عادٍ وَمِن إِرَمِ

يُحيي البَرايا إِذا حانَ المَعادُ كَما

يُحيي النَّباتَ بِشُؤبوبٍ مِنَ الدِّيَمِ

يا غافِرَ الذَّنبِ وَالأَلبابُ حائِرَةٌ

في الحَشرِ وَالنارُ تَرمي الجَوَّ بِالضَّرَمِ

حاشا لِفَضلِكَ وَهوَ المُستَعاذُ بِهِ

أَن لا تَمُنَّ عَلى ذِي خَلَّةٍ عَدِمِ

إِنّي لَمُستَشفِعٌ بِالمُصطَفى وَكَفى

بِهِ شَفِيعاً لَدى الأَهوالِ وَالقُحَمِ

فَاقبَل رَجائِي فَمالي مَن أَلوذُ بِهِ

سِواكَ في كُلِّ ما أَخشاهُ مِن فَقَمِ

وَصَلِّ رَبِّ عَلى المُختارِ ما طَلَعَت

شَمسُ النَّهارِ وَلاحَت أَنجُمُ الظُّلَمِ

وَالآلِ وَالصَّحبِ وَالأَنصارِ مَن تَبِعُوا

هُداهُ وَاِعتَرَفوا بِالعَهدِ وَالذِّمَمِ

وَامنُن عَلى عَبدِكَ العانِي بِمَغفِرَةٍ

تَمحُو خَطاياهُ في بَدءٍ وَمُختَتَمِ

السابق التالي